top
   

 

 

 

سعادة السفير د. رياض نعسان آغا

فخاخ في طريق الأمة

د.رياض نعسان آغا

Ambassador@Syrianembassy.ae

المقال بصيغة PDF

 

كان الفخ الضخم الذي وقعت فيه الأمة مع مطلع القرن الجديد هو إلصاق جريمة 11 سبتمبر بها، وقد ابتلعت الأمة الطعم، وبات عليها أن تدفع الديات سلسلة من التنازلات السياسية التي لا حدود لها، مع أنه لم يكن يغيب عن بال أحد، أن استراتيجية الغرب في القرن الجديد قضت بأن يكون الإسلام هو العدو الجديد، وأن يتم إبعاده من بلاد الغرب، وحصاره في موطنه. وكان لابد من إيجاد ذريعة ضخمة لذلك، ولم يستفد أحد من جريمة سبتمبر غير الصهاينة، حيث تمكنوا من تحويل موقف الولايات المتحدة من كونها راعية للسلام، وباحثة ( كما أعلنت ) عن حل عادل للصراع العربي الإسرائيلي، إلى طرف رئيس في الصراع، وقد حاول العرب والمسلمون أن يتجنبوا الصدام معها وناشدوها أن تقبل بالحوار بدل الصراع، وقبلوا الاعتراف بجريمة أبنائهم، دون أن يطالبوا بتحقيق دولي أو محاكمة، لأن الضعيف لا يملك أن يطلب أدلة من القوي، ولكن الولايات المتحدة أصرت على تصعيد الصراع.
ثم كان الفخ الثاني الذي قبل به العرب هو حرب الولايات المتحدة على أفغانستان انتقاماً من شعب لا ذنب له فيما حدث، بل لم يوجه أحد إليه تهمة عن جريمة سبتمبر غير إيوائه لابن لادن الذي أرسلته الولايات المتحدة ذاتها إلى أفغانستان، ثم كان الفخ الأضخم استغلال كراهية العرب لصدام حسين ونظامه، لجرهم إلى الموافقة على احتلال الولايات المتحدة وحلفائها للعراق، وقد وجدها بعض العرب فرصة للخلاص من تهديدات صدام المستمرة لهم، ولم يكن الرافضون لحرب العراق محبين لصدام أو مشفقين عليه، ولكنهم كانوا يرون خطر ما سيحدث لشعب العراق حين يقع تحت الاحتلال، وخطر أن يمزق العراق إلى شيع وطوائف وقوميات، وأن يُسلخ وجهه العربي، وأن تستبيحه الصهيونية وتسرح وتمرح فيه، وخطر أن تتمركز الولايات المتحدة بقوة عسكرية ضخمة في قلب الوطن العربي.

واليوم تواجه الأمة فخاً جديداً في جريمة اغتيال الشهيد الحريري، فقد تم توظيف الجريمة النكراء لتفتيت التلاحم بين سوريا ولبنان، ولإنهاء مقولة المسار الواحد والمصير المشترك، وقد نُصب الفخ بدهاء بارع واتهمت سوريا بارتكاب الجريمة على الفور، وقبل أن يصل شرطي إلى مكان الجريمة، لأن هدف الجريمة هو تمزيق اللحمة السورية- اللبنانية التي شكلت ممانعة قوية للمخطط الصهيوني.

وقد جاءت الجريمة بعد أن فشلت كل الضغوط على سوريا ولبنان، فكان لابد من حدث كبير يخلط الأوراق ويقلب المائدة السورية- اللبنانية، ويهز مشاعر الناس، ويجعل سوريا وأنصارها في لبنان في موقع شك وريبة، في استغلال للحظة اختلاف في الرأي السياسي الراهن، التقطها القاتل ليوجه التهمة لسوريا رغم أن الاختلاف انتهى إلى توافق قبل وقوع الجريمة وهذا ما تشهد عليه الحقائق، فقد كان الحريري يستعد لزيارة دمشق ولقاء الرئيس الأسد، ولكن خطة اغتياله سبقت ذاك اللقاء، وقطعت الطريق على مستقبل آمن ورحب يناضل من أجله قادة البلدين، وهم يواجهون قوى سياسية حاقدة نسيت انتماءها إلى العروبة، وراحت تبحث عن انتماءات وهمية للغرب، وتسعى لوضع لبنان تحت مظلة الفرنسيين والأمريكان، وقد ضخت في وسائل الإعلام طوفاناً من الحقد والكراهية لسوريا، على أمل أن تقنع اللبنانيين بأن عدوهم هو السوري وليس الإسرائيلي. والمفجع أن بعض اللبنانيين هاجت مشاعرهم الغوغائية ضد سوريا فقاموا بقتل العمال السوريين البسطاء، وتم الاعتداء على سيارات السوريين من الطلاب والعابرين، وكان يقود الحملة ضد سوريا شعباً ودولة سياسيون يدركون خطر ما يفعلون، ورغم ذلك كانوا يهتفون بمكبرات الصوت (توت توت سوريا عم بتموت) وكان مؤسفاً أن يكون حلمهم وهدفهم أن تموت سوريا.

وقد ضبطت سوريا أعصابها وأبدى شعبها روية وانتظاراً لصحوة الضمير، وتقبل بامتنان مسيرة الوفاء التي شارك بها ملايين اللبنانيين الذين أدركوا خطر ما يحدث، وعبروا عن حرصهم على سوريا، واستنكارهم أن يستغل الحاقدون ما كان من أخطاء في علاقة مديدة وفي ظروف غير عادية. لقد كان استحضار الأخطاء في تلك اللحظة الفجائعية مبرمجاً، وقد زج به في مسار شائعات الاتهام، وبدأت ماكينة الإعلام الصهيوني أو المرتبط بالصهيونية تلفق الأخبار والأكاذيب، وبات واضحاً أن المطالبين بدم الحريري لا يبحثون عن قاتله، وإنما يبحثون عن إيقاع سوريا في فخ الجريمة، وعن تصفية حسابات شخصية، لأن الأكثرية ممن يسمون أنفسهم معارضين لسوريا كانوا قبل شهور أعوان سوريا، ولن يمنحهم ابتعادهم عن الحكم بضعة شهور ذريعة الادعاء بأنهم كانوا مضطهدين مظلومين، وفيهم تجار سياسة من الوزن الثقيل، رغم أنهم كانوا يسعون خفافاً إلى دمشق ويقحمونها في مشكلاتهم التي ضاقت بها سوريا ورجتهم أن يحلوا خلافاتهم بينهم. ولطالما أعلنت سوريا أنها تريد أن تكون خارج دوائر خلافات السياسيين اللبنانيين، وأعلنت أنها على مسافة واحدة من الجميع، وسعت إلى تعامل رسمي مع لبنان وعقدت الاتفاقيات من موقع الاعتراف الكامل بسيادة لبنان واستقلالية قراره، وكانت زيارة الرئيس بشار الأسد للبنان زيارة رسمية بكل المواصفات البروتوكولية، وكذلك كانت زيارة الرئيس لحود، رغم أن الشكل البروتوكولي لا ينفي خصوصية العلاقة بين البلدين.

ولقد كان الشهيد الحريري أبرز القادة اللبنانيين الذين يحرصون على عروبة لبنان، وقد تابعت قبل يومين حواراً أجراه تلفزيون "المستقبل" مع سماحة السيد حسن نصرالله تحدث فيه عن علاقته الوطيدة بالحريري، وروى ما كان خفياً من دعم الحريري للمقاومة، وأشاد بحرصه على مواجهة أخطار تقسيم لبنان، واستغلال مخطط توطين الفلسطينيين ليكون ذريعة للعودة إلى خطط التقسيم، وإلى إنهاء حضور المقاومة السياسي، والإسرائيليون لا يغيب عنهم خطر عروبة الحريري ودفاعه عن المقاومة.

وليس خفياً على أحد أن الحريري يشكل دعماً قوياً لكل التوجهات السورية القومية، فلم يكن ثمة خلاف مع الحريري في شيء يمس الثوابت والقضايا المبدئية، وهذا سر حرص سوريا على أن يكون الحريري رئيساً لحكومة لبنان عدة مرات، فقد كان الرئيس الراحل حافظ الأسد يحرص على إنجاح مشروع الإعمار الذي مضى فيه الحريري، وكان عجيباً أن يفبرك الإعلام المعادي لسوريا حكاية أن الرئيس بشار كان يكره الحريري، والمفارقة أن تلفزيون "المستقبل" ذاته بث مقابلات مع الحريري في فترة الحداد كان يتحدث فيها عن علاقته الوطيدة بالرئيس بشار وعن إعجابه به، وعن دماثته وخلقه الرفيع. ويبدو أن العاملين في الإعلام نسوا أنهم قدموا هذه المقابلات قبل بضعة شهور، وبالتأكيد لن يقولوا إن الحريري كان ينافق للرئيس بشار لأن رجلاً في وزنه السياسي والأخلاقي غير مضطر لأن يكذب أو ينافق في مشاعره .

إنني أستغرب موقف أسرة الحريري التي تعرف جيداً موقع الحريري عند الرئيس بشار ومن قبله عند الرئيس الراحل، وكنت أتمنى أن تقود موقف العائلة السيدة الفاضلة بهية الحريري فهي أنضج بكثير من الشباب الذين لا خبرة لهم في السياسة، وقد وقعوا في فخ المحنكين من تجار المواقف الذين يسعون إلى مال الحريري وليس إلى معرفة قاتله، ويسعون إلى استغلال دمه لتحقيق مآرب ضد سوريا بلد الحريري الأم، ولو أن روحه تنطق لصرخ من قبره أنقذوني ممن يريدون أن يجعلوا دمي معبراً للإيقاع بسوريا، وآمل أن يصحو أنصار الحريري الشرفاء على حقيقة انتماءاتهم، وألا يجروا الدب إلى كرمهم، وألا ينسوا أن سوريا هي الملاذ الطبيعي للبنانيين، رضي الكارهون أم غضبوا، والعكس صحيح. ولن أدخل في أي تعليق على مسار التحقيق رغم أن الشارع العربي كله بات يستغرب ما يفبرك، ولا سيما ما يقال من أن الاشتباه يقوم على معلومات قدمها مشعوذ هارب من سوريا. فقد رحبت سوريا بمهمة المحقق لأن كشف الحقيقة سيكون من صالحها إذا وفى المحقق بوعده بأن يكون تحقيقه جنائياً، غير خاضع لأهداف سياسية، تعيد إلى الذاكرة العربية ما فعله المحققون في ملف أسلحة الدمار العراقية.

إن شعبنا العربي أذكى من أن تنطلي عليه الأكاذيب الإعلامية الرخيصة التي تسعى إلى تشويه صورة سوريا، وهو يدرك أن المطلوب هو رأس الشعب السوري وليس رأس القاتل الحقيقي، لأن الشعب السوري يقبض على جمر عروبته ومبادئه، وهو شعب كما كل شعبنا العربي خرجته الشدائد والملمات الكبار، وهو واثق من أن كل ما يحاك ضد بلده هدفه إخضاعها للمخطط الصهيوني، وطرد العروبة والإسلام من نادي القرن الجديد، وهذا وهم إسرائيلي، تبدده الحقائق كل يوم.

 

 

© 2005جميع الحقوق محفوظة . تصميم وتنفيذ المهندس علي محفوض