top
   

 

 

 

سعادة السفير د. رياض نعسان آغا

تقسيمات إسلامية

د.رياض نعسان آغا

Ambassador@Syrianembassy.ae

المقال بصيغة PDF

 

يستدعي مصطلح الإسلام السياسي وجود مصطلح الإسلام الاجتماعي والإسلام الاقتصادي ثم الفكري والأخلاقي إلى آخر ذلك من تقسيم للإسلام. إن الغلط الواضح هو إلحاق "ال" التعريف بكلمة "السياسي" لأنها تجعل الصفة شاملة للموصوف، وهو أوسع من أن تحده الصفة المقيدة، لأنها جزء منه وليست كلاً فيه. من المعروف أن مصطلح الإسلام السياسي الذي تلقفه بعض الباحثين العرب ووضعوه قيد التداول، هو تسمية أطلقتها مراكز الأبحاث الغربية والأميركية بخاصة في أواخر السبعينيات وقصدت بها البعد السياسي من الإسلام، وقد انتشرت هذه التسمية بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران. حفزني إلى الحديث عن هذا الموضوع تقرير عن تقسيمات الإسلام صدر قبل شهرين ونيف عن مجموعة من الباحثين في بروكسل تهتم بدراسة الأزمات الدولية (أنترناشيونال كراسيس غروب). ويشير هذا التقرير إلى تقسيم الإسلام إلى إسلام سياسي وإسلام دعوي وإسلام جهادي، ولكنه ينطلق من ضرورة تجاوز مصطلح الإسلام السياسي إلى مصطلح الإسلام الحركي، وهو يفصل بين حركي سني وآخر شيعي... ويرى أن مصطلح الإسلام السياسي يخلط كل الحركيين في إطار واحد، ويتجاهل الدعويين، كما ينبه التقرير إلى ضرورة إعادة النظر في ثنائية الإسلاميين والمسلمين، وهذا التفريق نهج اصطلاحي غربي له دلالاته عند بعض الباحثين الغربيين, فهم يرون أن الإسلاميين هم الذين يدعون إلى العنف، فأما المسلمون فهم الذين يدعون إلى السلام.
وينبه التقرير إلى خطأ هذا التقسيم، لأنه يتجاهل حقيقة كون الإسلام دين قانون وليس مجرد صلة روحية بين الخالق والمخلوق، وهو بهذه السمة الحقوقية أقرب إلى اليهودية منه إلى المسيحية. كما يتجاهل كون المسلمين يعتقدون أن الإسلام شأن عام، وليس شأناً خاصاً للمسلم. وعلى هذا الفهم فإن المسلمين عامة يميلون إلى مقولات الإسلاميين حين تؤكدها النصوص المقدسة، وعلى الغالب لا يعبر المسلمون العاديون عن حقيقة ميولهم.

ويشير التقرير إلى أن الأميركان خالفوا الحقيقة التاريخية حين اعتقدوا أن الإسلام السياسي ولد مع ثورة الخميني، وأنه لم يكن للإسلام حضور في السياسة قبل ذلك. فتاريخ الإسلام منغمس في السياسة منذ ظهوره، والأميركان أنفسهم استخدموا الإسلام لمقاومة الحركات التي أرادوا محاربتها فدعموا ما يسمونه الإسلام السياسي لمجابهة الشيوعية واستخدموه من قبل لمواجهة المد القومي العربي في الستينيات.

ويعيد التقرير تقسيم الإسلام إلى ثلاثة اتجاهات: أولها, الإسلام الحركي الذي يعمل في إطار الدولة الوطنية عبر حركات أو أحزاب، وهو يرفض العنف، وينادي بالإصلاح بدل الثورة، ويقبل القيم الديمقراطية. ثم الإسلام الدعوي الذي يدعو إلى صيانة النظم والقيم الأخلاقية. ثم الإسلام الجهادي الذي ينقسم بدوره إلى ثلاثة تيارات. أولها تيار يدعو إلى مقاومة الاحتلال حيث يوجد في العالم العربي والإسلامي. وثانيها, تيار يدعو إلى محاربة الأنظمة السياسية الكافرة. وثالثها, يدعو إلى محاربة الغرب كله, والتياران الأخيران متطرفان ومحدودان وينظر إليهما المسلمون عامة نظرة ريبة وشك. ويخلص التقرير إلى القول إن فهم انقسام العالم الإسلامي إلى تيار يميل إلى التفاهم مع الغرب والقبول به، وتيار يرفض الغرب ويدعو إلى محاربته، هو فهم خاطئ، لأن مجرد رفض توجهات القاعدة لا يعني قبولاً بموقف الغرب عامة من الإسلام.

من الواضح أن هذا التقرير وأمثاله من تقارير مراكز الأبحاث الغربية يتجه إلى أصحاب القرار الذين أوشكوا أن يفيقوا من وهم نظرية صراع الحضارات بعد أن قوموا تجربة ثلاث سنوات مضت من الصراع الدامي باسم مكافحة الإرهاب, دون تحقيق أية نتيجة تذكر بوصفها رصيداً للمستقبل. وقد انتبهت النخب في الغرب إلى ضخامة الأكاذيب التي تم ويتم ترويجها لمنح هذه الحرب ذريعة أخلاقية، ولم يعد خافياً على مثقفي الغرب أن الإسلام السياسي الذي يدعو إلى محاربة الغرب الكافر, هو ذاك الذي دعمته استخبارات غربية وأميركية بشكل خاص. وأما الإسلام العام الذي يدين به مليار وأكثر من ربع مليار من البشر، فقد تعامل مع الغرب على مدى قرون، ولم تكن كل الحروب التي نشأت بين المسلمين وأوروبا حروباً دينية، بل إن المسلمين سموا الحروب الصليبية حروب الفرنجة، ليبعدوا الطابع الديني عنها لولا إصرار الغرب على جعل المسيحية في مواجهة الإسلام في تلك الحروب. وقد وقفت المسيحية العربية مع الإسلام لصد ذاك العدوان. ولم يعلن المسلمون حروباً دينية على حملات الغرب من حملة نابليون إلى آخر الحملات الأوروبية التي شملت العالم العربي والإسلامي منذ القرن التاسع عشر وحتى أواسط العشرين. وإن كانت الأمة قد استنهضت الهمم في حروب الاستقلال والتحرير عبر دوافع القوى الروحية والدينية. وسنجد من المفارقة التاريخية أن البلدان العربية والإسلامية التي تحررت من استعمار الغرب لها, كانت شديدة الحرص-بدافع من التسامح والنظر إلى المستقبل- على تمتين صلاتها مع البلدان التي خاضت حروب التحرر منها.

ولولا أن الولايات المتحدة قادت حملة عنيفة ضد الإسلام إثر تفجيرات سبتمبر-التي ما يزال التحقيق حولها غائماً وغامضاً- لكانت العلاقات الأوروبية العربية المتوسطية قد قطعت شوطاً كبيراً من التقدم والتفاعل الثقافي والاقتصادي. ولو أن الولايات المتحدة كانت صادقة النية في مؤتمر مدريد ولو أنها حرصت على تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وحلت الصراع العربي الإسرائيلي بشكل عادل وشامل، لكانت المنطقة اليوم تعيش في حالة من الأمن والسلام والنمو الاقتصادي والاجتماعي. وربما كانت الولايات المتحدة قد تجنبت خوض حرب ضد الإرهاب الذي وجد تربة صالحة للنمو في بيئة مضطربة غير مستقرة، حيث ما يزال الاحتلال الإسرائيلي والأميركي والتهديد اليومي للبلدان العربية والإسلامية وفرض الوصاية عليها، يجعل أغلب شباب العرب والمسلمين يميلون إلى مواجهة القوة بالقوة والإرهاب بالإرهاب. وهؤلاء الشباب هم أنفسهم الذين كان من الممكن أن يحققوا تفاعلاً متميزاً مع حضارة وثقافة الغرب لو أنهم وجدوا الأمن والطمأنينة.

إنني أعتقد أن تقسيم الإسلام, إلى إسلام سياسي وآخر صوفي وثالث أخلاقي وسوى ذلك، هو تصنيف مفتعل. فلا يوجد إسلام خالٍ من السياسة، وليس بوسع السياسة في الشعوب المسلمة أن تتجاهل الإسلام. وأما الحركات الإسلامية التي تلح على جدلية الدين والدولة فهي نتاج تاريخ من الصراع حول السلطة، بين مرجعيات دينية وأخرى مدنية تعاقدية.

وقد آن لهذا الصراع أن ينتنهي إلى تفاهم عبر إطار ديمقراطي يدرك أن الدولة في الإسلام هي دولة البشر. وآن للحركات الإسلامية التي تعمل على هذه الجدلية أن تنتقل إلى العمل على جدلية الدين والأمة. لقد تكاتف جميع العرب لصد تهمة الإرهاب والعنف عن الإسلام، وهم جميعاً مسلمين ومسيحيين متدينون في لحظات المواجهة التي تستدعي طاقات روحية. ومن يظن أن الصوفية مثلاً شيء آخر مختلف عن الإسلام السياسي كما يفهمه، نذكره بأن عبدالقادر الجزائري وعمر المختار كانا صوفيين، ولكنهما قادا حركتي تحرير يعتز بهما العرب والمسلمون. كما أن ملايين المسلمين الذين نزلوا إلى شوارع العالم الإسلامي لنصرة الانتفاضة وللدفاع عن قدسية الأقصى كانوا مسلمين عاديين, ويصعب حصرهم في تيار الإسلام السياسي. وكان أولى بمن يعدون الدراسات والأبحاث أن ينصحوا أصحاب القرار، بإنهاء الاحتلال لأراضي العرب والمسلمين, وبالكف عن العدوان عليهم، وأن ينبهوهم إلى أن الإسلام جوهر واحد، وهو في المحصلة دين يدعوهم إلى الحياة بأمن واطمئنان وتعايش مع الآخرين. ولكنه يدعوهم كذلك إلى الموت والشهادة حين يعتدي أحد على أرضهم وأمنهم وحريتهم وحضورهم.

إن تدخل الغرب في الإسلام ودخول الشركات الأميركية إلى ميادين الفقه الإسلامي، ودعم بعض الحركات المتطرفة لتشويه صورة الإسلام -كما حدث في تجربة القاعدة وطالبان- سيسيء إلى صورة الإسلام حقاً وسيسيء إلى الغرب كذلك، حين ينقلب السحر على الساحر.

 

© 2005جميع الحقوق محفوظة . تصميم وتنفيذ المهندس علي محفوض